|
مقام محكمة
النقض الموقرة " الغرفة العسكرية "
الطاعن : الطبيب و الشاعر
محمود صارم يمثله وكيله المحامي مهند الحسني
المطعون ضده : جهة الحق العام
القرار المطعون فيه: هو
القرار الصادر عن القاضي الفرد العسكري الأول الموقر بدمشق رقم / 364 / في القضية
أساس / 503 / تاريخ 30/4/2008 و المتضمن حبس الدكتور محمود صارم لمدة شهر بجرم
إثارة الشغب سنداً للمادة / 336 / عقوبات مع تضمينه الرسم و المجهود
الحربي....إلخ.
الأســـباب
بما أن الطعن مقدم خلال المدة القانونية و مستوفياً لجميع
شرائطه الشكلية مما يغدو معه الطعن جدير بالقبول شكلاً ثم للأسباب الموضوعية
التالية:
أولاً : مقدمة نسـتهل بها
لا غرو في أن البشرية خاضت نضالاً طويلاً في سبيل تقنين قواعد
أصول المحاكمات سالت خلاله الدماء على المقاصل في مواجهة أنظمة الاستبداد و
الاستفراد، إلى أن تمكنت الإنسانية من تكريسها قانون أصول المحاكمات الجزائية
بقواعده الثابته التي مكَّنت المتهم من الحصول على محاكمة عادلة تتوفر له فيه
الضمانات القانونية للدفاع عن نفسه وإثبات برائته من جهة و وفرت ضمانات قانونية
للعدالة للوصول للحقيقة بعد أن أصبح الوصول للحقيقة هو هدف العدالة لا مجرد معاقبة
المتهم الماثل بالمحكمة من جهة ثانية ، كما كرسـت مبدأ استقلال القضاء كسلطة عليا
فوق جميع السلطات بصفتها المرجعية النهائية التي من المفترض أن تشيع الطمأنينة
العامة في نفوس الجميع بعيدا عن مظنة الانحياز المقيت بكل أشكاله و صوره.
و
مع ارتقاء المدنية خطوة حضارية للأمام تكرس مفهوم الدولة ( كشعب و أرض و سلطة )
بعد أن نجح طغاة العصور الوسطى لعقود طويلة
في طمس المسافة الفاصلة ما بين مفهومي الدولة و السلطة .
فاختلفت النظرة للمتهم
السياسي فأصبح ينظر له بوصفه صاحب عقيدة و وجدان متسم بمثالية هي التي أملت عليه
أن يضحي في سبيل ما يرى أنه الواجب و الخير لوطنه و مجتمعه بعد أن كان ينظر له في
ظلامية العصور الوسطى على أنه عدو الله و المجتمع.
المهم فيما سلف ذكره:
أن من بين أهداف قوانين
الأصول الجزائية ضمان وصول العدالة للحقيقة بعد أن أضحى الوصول للحقيقة هو
الهدف لا معاقبة المتهم الماثل ِأمام المحكمة.
و لعل من طرائف القضاء
هذه القضية الماثلة بين يدي عدالتكم باعتبار أن الحقيقة كانت و ما زالت في وادِي و
عرض الوقائع الوارد في متن القرار الطعين
في وادي آخر.
لا نعرف ما هو السبب
في ذلك بالتحديد.
من الممكن أن السبب
يكمن في أن الموكل عرض على عدالة القاضي الفرد العسكري الأول وحيداً بدون محامي
يدافع عنه.
من الممكن أن العدالة
كانت على عجلة من أمرها حينما نظرت في قضية الموكل فلم تتكبد عناء البحث عن
الحقيقة.
قد يكون السبب في وطأة
الإرهاق الناجم عن ضغط العمل بدائرة مقام القاضي الفرد العسكري الأول بدمشق.
لم نتمكن من تحديد
السبب فيما آلت إليه الأمور لكن ما نحن على يقين منه هو:
أن
القانون و الفقة و الاجتهاد القضائي متفقين على أن جهداً بسيطاً يبذل في سبيل
الوصول للحقيقة ما هو إلا ثمن بسيط في مقابل كرامة و حرية الموكل الطبيب و الشاعر
و المعارض السياسي المعروف التي ائتمن المجتمع السوري هيئاته القضائية عليها.
أن
هناك رؤية ضبابية فيما يتعلق بحقيقة ما حدث ، تلك الرؤية التي لم تنجلي بما ورد
على لسان الموكل في الضبط الفوري و المؤلم أن الرؤية الضبابية لم تنجلي أيضاً باستجوابه
أمام النيابة العامة العسكرية و الأكثر ايلاماً أنها لم تنجلي باستجوابه أمام المحكمة التي كانت على عجلة من
أمرها و لو أنها تريثت قليلاً لتمكنت من معرفة حقيقة ما حدث..... إلا أن العدالة
كانت على عجلة من أمرها فدونت على لسان
الموكل عبارات عامة كافية من وجهة نظرها لملئ الفراغ المطلوب للإستجواب كشر لا بد
منه من إجراءات أصول المحاكمات الجزائية يمّكن المحكمة من السير بالقضية ، فلم يسلط الضوء على الحقيقة لا
من قريب و لا من بعيد ...... و كذلك الأمر فيما يتعلق بشهادة شهود الحق العام (
عنصري الأمن المركزي ) اللذين من الواضح أنهما لم يحضرا الواقعة و إن كان اسمهما
قد دوّن في الضبط الفوري فأحدهما تحدث من
وحي الخيال عن مئات المعتصمين أمام محكمة
أمن الدولة ثم استدرك في نهاية الشهادة أن الشرطة قامت بنقلهم بحافلة الجند لخارج
المدينة ........... و الثاني تحدث عن عشرات المعتصمين و في نهاية شهادته أضاف أنه
سائق سيارة شرطة و لم ينزل منها أصلاً و
لا يعرف ماذا حدث أمام المحكمة و كل ما يعرفه أن هناك رجلاً مسناً تم
إلقاءه في صندوق السيارة الخلفي بطريقة مهينة و أغلق عليه الصندوق و تمّ شحنه لقسم
شرطة عرنوس ...
و بالتالي شهادتين غير
مجديتين بدليل أن القرار الطعين لم يتعرض لشهادة أحدهما لا من قريب و لا من
بعيد و كأنه لم يدخل قاعة المحكمة أصلاً.....!!
للمرة
الأولى تمّ كشف النقاب عن بعض تفاصيل الحقيقة
بالدفاع المقدم من الموكل بجلسة 16/3/ 2008 إلا أنه مع الأسـف الشديد
التفتت المحكمة عما ورد بدفاعه من وقائع على الرغم من شفافيته و عفويته الواضحة
العيان و لم تأتي حتى على ذكرها أصلا في القرار الطعين.
و من وجهة نظر المشرع السوري فقوانين الأصول
الجزائية ليست شر لا بد منه يجب إتباعه بطريقة نسقية أو شكلية إبان النظر في
القضية، و إنما شرعت قوانين الأصول لتكون
وسيلة للوصول للحقيقة من جهة...... و لمنح المتهم الضمانات اللازمة للدفاع عن نفسه
من جهة أخرى.
كان على المحكمة أن تتريث في اتخاذ قرارها لما
بعد استجماع قناعتها الوجدانية حول حقيقة ما حدث و كان من الضروري سماع شهادة قطب
الرحى في هذه القضية و الشاهد الملك فيها الضابط الذي ألقى القبض على الموكل و
أحاله للقضاء إنه : العميد عبد الرزاق المطلق و الذي كان من الضروري السماع
له بصفته شاهد الحق العام بإعتباره هو من أمر بتوقيف الموكل و هو من ألقى القبض عليه وهو من ألقى به في صندوق سيارة
الشرطة و هو من نظم الضبط الفوري بحقه ليسلط
الضوء على مجموعة الحقائق التالية :
مكان إلقاء القبض على
الموكل – هل كان ذلك أمام محكمة أمن الدولة أم أمام مقر فرع دمشق لحزب البعث
العربي الاشتراكي قرب جامع الإيمان بالمزرعة.
زمان إلقاء القبض على
الموكل فيما إذا كان إبان الاعتصام أمام محكمة أمن الدولة العليا أم بعد الاعتصام
بأكثر من ثلاث ساعات.
فيما إذا كان الموكل
وحيداً حينما ألقى القبض عليه أم كان برفقة متظاهرين آخرين ( المئات بحسب الشاهد
الأول و العشرات بحسب الشاهد الثاني)
السبب في إلقاءه القبض
على الموكل و إعتقاله بهذه الطريقة المهينة .... الإعتصام أمام محكمة أمن الدولة
أم دافع الانتقام الشخصي على أثر المشاحنة الكلامية بينه و بين الموكل.
ثانياً : في تسلسل الوقائع كما وردت في الدفاع المقدم من
الموكل و في أقواله عبر جميع مراحل القضية :
جاء
في دفاع الموكل ما يلي : في 13/12/2007 كان من الذين حضروا محاكمة الأستاذ أنور
البني أمام القاضي الفرد العسكري الثالث و حضر لفيف من السادة المحامين المدافعين
عن حقوق الإنسان و بعد انتهاء الجلسة علم بأن الإخوة الكرد سيقومون بإعتصام أمام
محكمة أمن الدولة العليا في 16/12/2007 احتجاجاً على الأحكام العرفية المفروضة منذ
خمسة و أربعين عاما ونيف.
و
كانت مناسبة بالنسبة للموكل للمشاركة و التعبير عن الرأي و التحدث عن القيم التي
بنى عليها الآباء و الأجداد من رجال الكتلة الوطنية الدولة السورية على اساس من
قيم المواطنة و عدم التمييز .........إلى أن يقول : و فعلاً تحدث مع الإخوة الكرد
بهذا الاتجاه يوم الاعتصام أمام محكمة أمن الدولة و لم يحدث أي شغب أو أي خلل
بالنظام و لم يسمع صوتاً واحداً يحتج عندما بدأ الشرطة يأمرون المعتصمين بالصعود
إلى ناقلة الجند الكبيرة المغلقة المغطاة، ثم تحركت السيارة بعد أن أرخى ستائرها
فأصبح الجميع في ظلام دامس، فإذا بالأخوة الكرد يرددون يا ظلام السجن خيم ... فقال لهم الموكل
متسائلاً : أتدرون من هو صاحب هذا النشيد ؟ فقالوا لا ، فقال الموكل : إنه نجيب
الريس أحد أقطاب الكتلة الوطنية ، فإذا بالجميع يهتف : عاشت الكتلة الوطنية .
و
بعد أن اجتازت السيارة مفرق القابون أخذ سائقها يلقي بهم متفرقين في العراء الواحد
تلو الآخر و على مسافات بعيدة ، بحيث أصبح من العسير أن يجتمع اثنان ... فعاد
الموكل إلى مكان التجمع أمام محكمة أمن الدولة فلم يجد أحد لأن الجميع كانوا قد
تفرقوا أيادي سبأ ، ولم يكن في المكامن إلا عناصر الشرطة.
و
هناك وجد عميداً عرف اسمه فيما بعد و هو السيد العميد " عبد الرزاق المطلق
" فتقدم منه و أراد محاورته و التحدث إليه لكنه فاجأه بالقول " كول هوا
" و راح يحقر الموكل بالكلام السوقي الذي لا يليق برتبته بحسب تعبير الموكل ،
ثم أمر عناصره بإلقاء الموكل بالطبونة فقال الموكل وهو يلقى كالكأس المكسور في
صندوق سيارة : حينها أشار الموكل باتجاه الجولان المحتل و تمثل قول الشاعر العربي
:
أســـد
عليّ وفي الحروب نعامة ربداء
تجفل من صفير الصافرين
ثم
يستدرك الموكل بأن العميد عبد الرزاق المطلق ألبسه تهمة الشغب زوراً و بهتاناً و
من المعروف الطريقة التي تنظم بها ضبوط
الشرطة و يؤخذ فيها على لسان المتهم الاعتراف المخالف للواقع و الحقيقة : بأنه
تحدى عناصر الأمن ...!!
و
وجه لهم النصيحة بعدم تفريق المظاهرة ......!!
و
أنه حينما طلب منه مغادرة المكان بصورة فظة
فكان رده بنفس الأسلوب بل أقصى من الأسلوب الذي تعاملوا معه به.....!!
و
أنه عند إخلاء سبيله فسيشترك في كل تجمع من هذه التجمعات و هو يتحمل مسؤولية
أفعاله ......!!
ثلاثة
أسطر أو أربعة من التلفيقات كفيلة بوضع رقم مادة عقابية على ظهر الموكل الطبيب و
الشاعر و الذي تجاوز السبعين حولاً إذا لم يلق محاكمة عادلة تؤمن له الحد الأدنى من الضمانات و التي سّنها المشرع لكل متهم يعرض على
محكمة الشهر و العلنية سواءاً أكانت مدنية أم استثنائية.
فما
الذي حدث بعد ذلك:
عرض
الموكل على النيابة العامة العسكرية فكانت العدالة ( مع الأسف الشديد ) على عجلة
من أمرها فأخذ على لسان الموكل العبارات التالية:
أثناء
محاكمة الصديق أنور ا لبني دعي لحضور اعتصام أمام محكمة أمن الدولة بتاريخ
16/12/2007 حيث قام بالإعتصام برفقة مجموعة من الأفراد و قد حضر الاعتصام و كن سبب
الاعتصام هو شرح انكار الكتلة الوطنية للمعتصمين و لم يقم بترديد أي شعارات و لدى
حضور الشرطة لتفريقهم حصلت ملاسنة كلامية بينه و بين عقيد و لم يتلفظ بأية عبارات
مسيئة للدولة.
و
بعرض الموكل على المحكمة فقد كانت العدالة ( مع الأسف الشديد ) على عجلة من أمرها
أكثر من سابقتها أمام النيابة العامة حيث أخذ على لسان الموكل العبارتين التاليتين
: اشتركت مع مجموعة أشخاص بالوقوف أمام مبني محكمة أمن الدولة و ذلك للمطالبة
سلمياً بالإعتراض على الأحكام العرفية و لما طلب منا أحد الضباط مغادرة المكان
أعلمته بأن أحد من الموجودين لا يبدي مشاكل إلا أنه أصر على تفريقنا و قام
باصطحابي معه إلى المخفر وهذه افادته.....!!
و
الشاهدين المستمعين أمام المحكمة " سائق سيارة الشرطة و أحد عناصر حفظ النظام
" فكانت شهادتهما أكثر تخبطاً و لا جدوى منها لأنهما كلاهما مع الأسف لم
يشاهدا شيئاً فالحضور بالنسبة للأول بالمئات و من ثم قامت الشرطة باخلاء الجميع
والثاني لم حضر بسيارة الشرطة بناء على طلب العميد و ألقي الموكل في صندوقها
الخلفي بعد أن قذف العميد ببيت الشعر :
أسد
علي و في الحروب نعامة ربداء تجفل
من صفير الصافرين
و
تحرك به سريعاً لقسم الشرطة و هو لا يعلم شيئاً عن الحادثة وسببها و خلفياتها.
و
على مايبدوا فقد استشفت المحكمة الموقرة من ا لدفاع المقدم من الموكل شيئاً من
الأنفة و التحدي فمالت للحكم عليه دون التثبت من حقيقة الواقعة كما حدثت أو تسليط
الضوء على الواقعة كما تمت.
و
نظرة متأنية للأمور تثبت أن الحادثة تمت على مرحلتين:
المرحلة الأولى :
أمام محكمة أمن الدولة العليا: كان هناك
اعتصام صباح 16/12/2007 و جاء عناصر الشرطة و فرقوا المعتصمين و منهم الموكل و
نقلوهم بحافلة الجند المغلقة خارج حدود المدينة و لم يبدي المعتصمين أي مقاومة أو
أي مظهر احتجاجي و لم يتم توقيف أحد منهم لا الموكل و لا غيره.
و العدالة ليست لعبة حظ كي يتم توقيف الموكل
دون عن غيره من خلال تعبيره السلمي عن رأيه ، و القيادة السياسية ارتأت في ذلك
اليوم الاكتفاء بإبعاد المحتجين عن مكان الإعتصام و كفى الله المؤمنين شر القتال.
المرحلة الثانية :
و
هي التي تلت الإبعاد و في طريق عودة الموكل صادف العميد المطلق و أرد التحدث إليه
لى سبيل " الدردشة " كما يقولون و قد حمله لذلك حسن ظنه بسعة صدره و
حكمته لرتبته و مكانته و لم يكن يخطر بباله أنه سينتفض فجأة كالملسوع و يأمر جنوده
بحمل الموكل " الشيخ و الطبيب و الشاعر " للإلقاءه بطريقة مهينة في
صندوق السيارة بعد أن أمطروه سباً و شتماً و لكماً فما كان من الموكل إلا و أن
أخرج رأسه من الصندوق و أشار بسبابته للجولان المحتل مردداً :
أســـد
عليّ وفي الحروب نعامة ربداء
تجفل من صفير الصافرين
استشاط
العميد غضباً لسماعه بيت الشعر وانطلق الشرار من عينيه و تحركت الحمية بدمه فحاول
الانتقام من الموكل بتلفيق تهمة الشغب له، و مع الأسف لم تفلح سبعينية الموكل
الطبيب و الشاعر محمود صارم التي حملها معه في الصندوق الخلفي لسيارة الشرطة في استحضار
الهدوء و الاتزان و الحكمة لرأس سيادة العميد المطلق الذي انطلق قدماً فيما آلت
إليه الأمور بعد ذلك حتى وصلت القضية لمقام محكمة النقض العليا.
ثالثاً : في مناقشة القرار الطعين
على ما يبدو فإن حالة العجلة التي كانت
عليها العدالة إبان النظر بقضية الموكل انعكست على القرار الصادر بالقضية فجاء
مفعماً بالأخطاء و الهفوات
و يكفي استعراض سريع لما جاء في بند الوقائع
في القرار الطعين لنجد: أنه وبتاريخ 13/12/2007 و في مدينة دمشق أمام مبنى محكمة
أمن الدولة بالشارع العام أقدم المدعى
عليه محمود صارم على المشاركة في تجمع مع عدد من الأشخاص يزيد عددهم عن العشريين
شخصاً للإحتجاح على الأحكام العرفية الصادرة عن محكمة أمن الدولة بشكل من شأنه أن
يعكر الطمأنينة العامة و لدى قيام عناصر حفظ النظام بمحاولة تفريق هذا التجمهر كان
المدعى عليه عرض على الإستمرار بهذا
التجمهر.
الزمان لم يكن بتاريخ 13/12/2007 و إنما كان
16/12/2007 ....!!
ثم كيف تمكن القاضي من بناء قناعته بأن
العدد كان عشرين شخصاً مادام الشاهد الذي اعتمد على شهادته تحدث عن خمسمائة
شخص....!!
ثم كيف بنى قناعته بأن التجمهر كان من شأنه
تعكير الطمأنينة العامة ما دامت قوات الأمن لم تعتقل أحداً منهم و اكتفت بإبعادهم
عن المكان...!!
ثم ما معنى عبارة أن الموكل " عرض على
الاستمرار بهذا التجمهر "..!!
و على فرض
أن عرض على الاستمرار ....تعني أصرّ على الاستمرار ( على فرض ذلك ) فكيف بنى
قناعته بأن الموكل عرض على الاستمرار....!!
تكفي نظرة سريعة على بند الأدلة لنكتشف أن
العجلة التي كانت عليها العدالة إبان النظر في قضية الموكل انعكست على بند الأدلة
في القرار الطعين:
فقد
تأيد القرار بالأدلة التالية :
1
– ضبط الشرطة ....
4_
أقوال شاهد الحق العام المدعو محمود صارم أمام المحكمة بجلسة 18/2/2008 ....!!
فهل
استمعت المحكمة للدكتور صارم بجلسة 18/2/2008 بصفته شاهد حق عام أم متهم ....!!
و
كم هو الفرق ما بين أقوال المتهم و أقوال شاهد الحق العام كمستند في الإدانة أو
البراءة ......جميعها أسئلة نترك الإجابة عليها لحكمة محكمتكم العليا.
5-
كما تأيد القرار بشهادة شاهد الحق العام المساعد1 سعد الله بجلسة 2/4/2008 و الذي
أفاد أنه أثناء وجوده بمهمة رسمية أمام محكمة امن الدولة شاهد تجمعاً لعدد من
الأشخاص يقدر عددهم بحوالي خمسمائة شخص مجمتمعين أمام المحكمة دون إصدار أي كلام
أو هتاف وحين طلبنا منهم المغادرة كانوا يقتربون و يبتعدون قليلاً و إن المدعى
عليه الماثل أمامكم سلمنا إياه العميد عبد الرزاق المطلق و سلمناه لقسم عرنوس.
على
الرغم من أن المحكمة لم تقتنع بشهادة الشاهد لأنها اعتبرت أن العدد كان عشرين
شخصاً و ليس خمسمائة ..... إلا أنها لم تأخذ بالشق الهام من شهادته و المتمثل في
أن الشاهد لم يكن أكثر من أحد عناصر دورية النجدة التي استلمت الموكل من العميد
المطلق و زجته في صندوق السيارة و انطلقت
به لقسم الشرطة.
و
بالتالي فهو لم يشهد الحادثة و كلامه عن الخمسمائة شخص لم يكن أكثر من أضغاث أحلام
حتى أن المحكمة لم تقتنع به ، لكن كان عليها أن تأخذ بالجزء الهام من شهادته وهو
أن علاقته بالموكل اقتصرت في نقله للقسم في سيارة النجدة.
نأتي على بند المناقشة و التطبيق القانوني
في القرار الطعين:
بعد
كل ذلك بات من الثابت لمقام القاضي الفرد العسكري إقدام الدكتور صارم على المشاركة
في تجمع يعكر الطمأنينة العامة.....إذا كان قد شارك في مثل هذا التجمع
المعكر للطمأنينة العامة فأين بقية المشاركين....!!
ثم
أن المقارنات مع العهود السابقة التي مرت على سوريا في غير محلها ....
و
دفاع مقام القاضي الفرد عن حالة الطوارئ المعلنة في محله القانوني....!!
و
الأولى بالمواطن أن يلتزم أنظمة و قوانين بلده لا أنظمة و قوانين بلدان أخرى و كأن
الموكل إذا ما تندر بالحديث عن المغفور له هاشم الأتاسي أو خالد العظم فهو يتحدث
عن بلدان أخرى....!!
بكل
الأحوال القرار الصادر بحق الموكل والذي طبق بحقه المادة / 336 / عقوبات كان و
مازال مشوباً بالإبهام و الغموض و الإغفال و اختلاط الرؤوى فيما يتعلق بالوقائع و
لم يصار للتثبت من وجود الحد الأدنى اللازم و الضروري من الأفعال المادية المستوجبة
لتطبيق المادة القانونية.
فالدفاع
المقدم من قبل الموكل بجلسة كشف عن الحقيقة و أن الإعتصام قد فض من قبل عناصر الأمن
بنقل المحتجين و منهم الموكل خارج حدود المدينة .
و
لم يصار لتوقيف أي منهم أو تحريك الدعوى العامة بحقه مما يؤكد عدم مشروعية تطبيق
المادة / 336 / عقوبات عام.
بعد
عودة الموكل من خارج حدود المدينة و مشاحنته مع العميد المطلق و على خلفية :
أســـد
عليّ وفي الحروب نعامة ربداء
تجفل من صفير الصافرين
أحيكت
هذه القضية بحق الموكل و ذلك بطمس المسافة ما بين المرحلة الأولى منها و المتعلقة
بالتجمهر والثانية و التي عاد فيها الموكل من خارج حدود المدينة و للحقيقة و
التاريخ نقول أن :
فالموكل كان وحيداً إبان القاء القبض عليه و
لم يكن هناك أي تجمهر
التجمهر كان
قد فض قبل ذلك بحوالي ثلاث أو أربع ساعات
و ابان فضه انصاع الجميع لأمر السلطات بدليل
عدم توقيف أحد أو التعرض لأحد.
لغاية ما ...لم تنقشع الحقيقة في هذه القضية
و ظلت المسافة مطموسة ما بين مرحلة التجمهر و مرحلة عودة الموكل من خارج حدود
المدنية بعد التجمهر بأكثر من ثلاث ساعات.
أقوال الموكل الواردة في دفاعه الخطي و التي
هي حق له و ليست لزاماً عليه و التي كان ( على الأقل ) على المحكمة التثبت مما ورد فيها تمّ الإعراض
عنها و إهمالها بالكلية.
قطب الرحى و الشاهد الملك الذي أطلق التهمة
المفبركة من مهدها للحدها العميد المطلق لم نتشرف بسماع الحقيقة من فمه أمام محكمة
الشهر و العلنية مع أنه لا يوجد أحد يعلو على القانون.
ما زالت الحقيقة طي الكتمان في هذه القضية و
إن كان الحكم قد صدر بمعاقبة المتهم الماثل فيها أمام القضاء.
رابعاً : في التطبيق القانوني :
تنص
المادة / 336 / من قانون العقوبات على مايلي:
كل حشد أو موكب على الطريق العام أو في مكان
مباح للجمهور يعد تجمعاً للشغب و يعاقب عليه بالحبس من شهر إلى سنة.
إذا تألف من ثلاثة أشخاص أو أكثر بقصد
إقتراف جناية أو جنحة و كان أحدهم على الأقل مسلحاً.
إذا تألف من سبعة أشخاص على الأقل بقصد
الإحتجاج على قرار أو تدبير اتخذتهما السلطات العامة بقصد الضغط عليها.
إذا
أربى عدد الأشخاص على العشرين و ظهروا بمظهر من شأنه أن يعكر الطمأنينة العامة.
المادة
/ 337 / عقوبات تنص على ما يلي:
اذا تجمع الناس على هذه الصورة و أنذرهم
بالتفرق أحد ممثلي السلطة الإدارية أو ضابط من الضابطة العدلية.
يعفى من العقوبة المفروضة آنفاً الذين
ينصرفون قبل إنذار السلطة أو يمتثلون في الحال لإنذارها دون أن يستعملوا أسلحتهم
أو يرتكبوا أية جنحة أخرى.
على
ما يبدوا أن النيابة العامة و من بعدها المحكمة الموقرة سهت بالكلية عن نص المادة
/ 337 / عقوبات.
و
يبقى السـؤال " لماذا الموكل وحده دوناً عن غيره "
"
هناك تجمع شغب و قامت السلطات بتفريقه و طبقت السلطات الأمنية نص المادة / 337 /
عقوبات بإعتبار أن الجميع امتثلوا لإنذار السلطات دون استعمال أسلحتهم أو ارتكاب
جنح أخرى كما ورد في نص المادة .
و
قامت السلطات بنقلهم بناقلة الجند وإلقائهم خارج المدينة ، فلماذا الموكل وحده
تطبق بحقه المادة / 336 / عقوبات و تغفل بحقه نص المادة / 337 / عقوبات في حين أن
جميع المتجمهرين طبقت بحقهم المادة / 337 / عقوبات.
و
هل السبب هو التجمهر و الظهور بمظهر من شأنه تعكير الطمأنينة العامة أم السبب :
أســـد عليّ وفي الحروب نعامة ربداء تجفل من صفير الصافرين
المادة
/ 336 / عقوبات لم تتناول حالة التجمهر و الظهور بمظهر يعكر الطمأنينة العامة إذا
كان المتجمهر وحيداً.
و
الموكل حينما ألقي القبض عليه كان وحيداً ......
فكيف
يصار لتطبيق المادة / 336 / عقوبات عليه و قد كان وحيداً.
نعم
حدثت مشاحنة بينه و بين العميد المطلق
لكن
هذا أمر مختلف و ينطبق أو لا ينطبق عليه نص مختلف
أما
أن يصار لطمس المسافة الزمنية و سحبها لما قبل ثلاث أو أربع ساعات من زمن المشاحنة
و اقتياد الموكل " منفرداً " و محاولة اقناعنا بأنه كان متجمهراً وحده
يعكر الطمأنينة العامة فسنقولها بملئ الفيه.
ذلك
لن يقنع أحداً
هناك
أحكام ينقصها عنصر هام ليدب فيها الروح ألا وهو عنصر الإقناع
الحقيقة
دائماً تحتاج للمنطق لتقوم على أســس و من غير المنطق أن يكون هناك تجمهر للشغب
بمشاغب واحد – طبيب و شاعر و تجاوز السبعين و كان وحده مصدر تعكير الطمأنينة
العامة في حين أن المشرع اشترط أن يكون العدد يربو على العشرين كما هو واضح من
الفقرة الثالثة من المادة / 336 / عقوبات.
خامساً : في الطلب
لما
سبق بيانه من أسباب ، و لما تراه عدالة محكمة النقض العليا من أسباب فقد جئتكم
ملتمساً قبول الطعن شكلاً و موضوعاً و إعادة الملف لمرجعه لإتباع الأصول و القانون
واستجلاء الحقيقة و إصدار الحكم على ضوئها على إعتبار أنه من المفترض أن يشكل
الوصول للحقيقة هدف للهيئات القضائية لا
مجرد إصدار الحكم على المتهم الماثل ِأمامها و في ذلك عدل و حق و أصل قانوني.
باحترام
دمشق 29/5/2007 بالوكالة - المحامي مهند الحسني
|